القائمة الرئيسية

الصفحات

خاطرة عن القصص الشعبية لمحمن تينديرما المتحدث القصاص

خاطرة عن القصص الشعبية لمحمن تينديرما المتحدث القصاص



لقد عدّ مَحَمَّنْ تِينْدِيرْمَا من أشهر القصاصين في شمال مالي حيث أُثر عنه ما يفوق مئة شريط مسجلة، إلا أن لهجته لهجة أهل تمبكتو مما يستصعب استيعاب جميع قصصه لدى الغير ممن لا يأتون من تمبكتو، ولكن هذا لم يحجز عن الاستفادة من آثاره التراثية. والملفت للنظر أن هذه القصص المروية عنه تجدها عند غيره من القصاصين في اللغات الأخرى كالبمبرية، والسونغاي(زرما) وغيرها، ولذا كنت أساعد نفسي في الاستيعاب بالاستعانة ببعض القصاصين، أمثال جادو سيكو، جيلبا باجي ... في زرما، وجلي داود، وكارونغا سيسكو في البمبرية.....وإن كان كل منهم يختص بقصص غير قصص محمن، إلا أن ملاحظتي أن محمن تينديرما، أكثرهم -حسب اطلاعي- عددا.


وما يلاحظ عليه أيضا: أنه في جل قصصه يختار اسما لأبطاله: ولكن هذه الأسماء لا تتعدى: محمر، محمن، حامد، أماد الذي هو اختزال ل(أحمد). ومن النسوة: فاطمة... وما يماثلها من الأسماء التي تدل على تأثره بالثقافة الإسلامية، وإذا دقق المرؤ يدرك القصة نفسها عند غيره لا فرق بين القصتين إلا تغيير أسماء الأبطال، وبعض عناصر القصة، وعلى سبيل المثال لا الحصر: قصة فاطمة بيرداري، عند جادو، مكان السوق هو مدينة (سا)، وعند محمن تينديرما: مكان السوق هو مدينة (ديرا).


 صاحب الكلب هو ابن أمير (سا)، عند جادو سيكو، وصاحبة الكلب ابنة أمير ديرا، عند محمن تينديرما. ذكر الكلب في القصتين، ولكن المالك يختلف من قصة إلى أخرى وكذلك مكان الحدث. وهذا الاختلاف لا يتأثر في السرد الفني للقصة، فإن كثرة التوافق بين عناصر القصتين تثبت فحوى القصة، ولكن الاختلاف كان من قاص إلى آخر.


وإذا ألقينا النظر عموما على ما أثر عنه يمكن تصنيفها إلى ما يلي:


  قصص خيالية (حيث الأبطال فوق العادة) أي يتصف  بخوارق العادات الإنسانية.


  قصص شعبية: وبم أنه عاش في منطقة عرف أنها مستوطنة لشعوب مثل: البمبرا، والفلاته، والسونغاي الذي يعبر عنه أحيانا بأنها سوركو(صيادو الأسماك) والطوارق. ومن هنا نجد جل قصصه إما عن بطل شعبي  من إحدى هذه القبائل، وإما عن واقعة بين شعوب هذه القبائل، أو بطل منها، ولكنها في الغالب لا تمثل التاريخ حيث تغلب عليها يد الفنان القصاص.


ومن ضمن هذا النوع قصص الغراميات، وهي عبارة عن سرد لقصة عشقية في إحدى هذه القبائل، وربما يظهر شجاعة بطل القصة بتمكنه من الزواج بالمرأة التي يكون مهرها معجزة للرجال الذي يتقدمون لخطبتها، مثل شرطهن كون الفتى يقضي أربعين يوما عنده دون أن يذوق طعاما،  أو شرط (بولو) بالذهاب إلى خوض(فَتَ وُولِي) لتشرب من مائه، وتستحم منه، والكل يعرف أن ذلك الخوض لا يمكن الاقتراب منه إن لم يكن من أهل الخوض، ومنها قصة المرأة الباهرة الجمال، التي تجعل شرطها أن ترى من فاقها جمالا، وغيرها من الشروط العجزية التي يُتحدى بها البطل ولكنه يتعدّاها ويحظى بالمرأة أخيرا. وله عدة قصص  مندرجة تحت هذا النوع.


قصص تربوية: وهي تنزع من الحياة الاجتماعية، ويكون الهدف منها تقديم نصائح وتوجيهات تربوية للناشئين، حتى يتربوا على الأخلاق الحميدة مثل خلق المروءة، والإحسان، والشفقة، والصدق، وهي في الوقت نفسه تنفّر من الأخلاق الذميمة.


الحكايات عن ألسن الحيوانات: وهي حكايات كثيرة ومنتشرة بين شعب هذا المجتمع، والغرض الأولى منها خدمة الأهداف الاجتماعية، حيث تنحل الحيوانات محلّ البشر، وتقوم بدورهم في الحياة، وفي تصويرها، تقديم للتصور المجتمعي.


والمنتشر في هذه القصص أن توسم بعض الحيوانات بالداهية والحذق، والبعض منها بالخدعة، والبعض بالغباوة، والبعض بالمسامحة، والبعض بالتسلط والقوة، وحب الزعامة، وكل منها لها دورها في الحياة الاجتماعية الحيوانية.

وعليه فإن التراث المأثورة عن محمن تينديرما، يستحق العناية، والتدوين حتى يستفيد منها جيل المستقبل، ولتعطي تصورا عن أدبنا الإفريقي الذي مع الأسف لم يحظ بالعناية الجدية التي تعطي له مكانته من بين الآداب العالمية، وأرى أن هذا النتاج مادة خامة لكل راغب في الكتابة الراوئية؛ لتكون رواية، الإنسان  الإفريقي يشتمُّ منها رائحة ثقافته، ويرى فيها تصور نفسه من خلال تراثه المرسومة أمامه. وما يعطي أهمية لقصص محمن أنها مفعمة بالأمثال الشعبية، والحكم الإنسانية، التي يستفيد منها الإنسان في إثراء ثقافته وارتقاء مستواه الفكري في لغته الأم.


 د/ عمران سعيد ميغا

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات