القائمة الرئيسية

الصفحات

التصور الدرامي في القصص الإفريقية: أمير جيبو. حامد حمن فولو موسى جيبو.

التصور الدرامي في القصص الإفريقية: أمير جيبو. حامد حمن فولو موسى جيبو.




قصة يذكرها القصاص محمن تينديرما: ويفتح القصة بمثل يقول فيه: ابن العمومة ليس إلا لباس الشوك إن لبسته يسترك وإذا أخلعته تصبح عريانا بل تنزع جلدك.

حامد والده هو الذي كان أمير جيبو، فتوفي وحامد صغيرا، فاجتمع أهل القرية، فقالوا لحامد إن والدك قد توفي وترك لك إرث العرش ولكنك صغير ولما تبلغ الولاية على عرش الحكم! وكان لحماد عمّ، اقترح الجماعة أن يأخذ بزمام الأمور حتى يبلغ حامد سن الرشد، ولهذا العم ابن يسمى محمود أميري، فاشترط حامد أن يكون اتفاق تحويل الإمارة إلى العم على وثيقة مكتوبة، تبقى لمستقبل الأيام، فكتبوا الوثيقة.

وكان حامد فارسا شجاعا، له  والدته، وأخت تسمى (دادو) مربية لوالدتها، وهي زوجة حامد، وعبد يسمى(بَيْدُو) وبعض الأبقار، وفرس، فإنه ورث تركة تؤهله من أن يكون أميرا، ولا يحتاج إلى أحد.

فأخذ الواشون، يشفون أفكارا سيئة بين الناس، ويقولون لحامد، نحن لا نظن إذا بلغت أنك ستستلم مقاليد الأمور كما وعدت، فيردهم حامد، بالقول إن العم مثل الوالد، فإمارته هي إمارتي, ومن العادة أن الفكرة إذا أصبحت فاشية بين العامة حتى إن لم تكن صادقة فإن الناس يصدقونها وضرب مثالا لمجموعة من الأفكار المعتقدة والتي من وشاية العامة وليست من الصحة في شيء ومنها: (أن الشخص إذا رمى شيئا إلى شخص فأخذه الشخص قبل أن يقع على الأرض يضرب الآخذ صدره ويقول إني لا أغتابك، وأما إذا سقط فالرامي يقول إنك تغتابني، يقول هذه الفكرة من معتقدات العامة وليس من الصحة في شيء) وغيرها من العادات التي انتشرت فصدقها العامة، وصدقت كذلك في المجتمع.

وأما حامد فلم يرض لهم أن ينزع الإمارة من عمه، حتى توفي، فجمع حامد الجماعة، فقال لهم إني أريد إمارتي كما تعرفون، فقال القوم سننظر وأمهلنا حتى نتفكر، فكانت إجابتهم أنهم سيولون محمود الذي توفي والده في الإمارة، فقال حامد إنكم قد خدعتموني، وأسأل الله ألاّ يقضي على حتى أراكم تندمون على فعلتكم هذه، ثم تركهم وتولى ذاهبا إلى ابن عمه، فقال له: إن أهل (جيبو) يريدون أن يوقعوا بين أبناء الأعمام الخصومة، فلا تقبل منهم ذلك، فتنفّر محمود، وغير لهجته لابن عمه، وأجاب قائلا: لقد رفضك القوم، وقالوا إنهم لا يرغبون فيك، فما تريد بعض ذلك، عليك أن تتنحى عني،(وعلق القصاص: أن نبرة محمود من مصدر خيشومه، لا يفصح في الكلام، وأنه دميم الخلقة، وكريه الرائحة..)،

 فلما سمع حامد من ابن عمه هذه المقولة عرف أن الأمر مدبر، فتولى إلى والدته، فلما اقترب منها نادى قائلا: (أنا هيي): يا أماه، لقد خدعني أهل (جيبو) وأنت على علم بما اتفقنا عليه لما تنازلت لعمي، عن الحكم، وإنهم قد أفسدوا عقل ابن عمي، وحاولتُ كل المحاولة لأعيد عقله وأريه الحقيقة، ولكنه أبى، وإن شاء الله غدا سأشكو بهم إلى والي دويسا(Doueyssa)، حتى أحصل على حكمي بحق أو أفقده بحق، فدعت له الوالدة بالتوفيق والسلامة وحفظ من الله.

وفي الصبيحة بكّر حامد فأفطر مع عبده (بيدو) ثم جهز نفسه، وألبس أحسن اللباس، وقام (بيدو) بتجهيز الحصان، ثم توجه حامد إلى الوالي في دويسا، فقال: يا أماه، فأجابت الوالدة، فقال إني ذاهب إلى دويسا، وقالت، حفظك الله. ثم غادر، فلما وصل عند الحاكم، قال له إني أشكو إليك أهل (جيبو) أجمعين، وفي ذلك الوقت ليس هناك من وسائل الكتابة إلا الدواة والقلم، فكتب الوالي رسالة قصيرة إلى أهل (جيبو) مضمونها دعوة الوالي لهم، فلما رأوا هذه الرسالة، أجمعوا على أن هذا من عمل حامد(فقالوا: نحن قلنا لا تحكمنا فلم لا تتركنا، حتى تشكونا إلى الوالي؟)، ثم أجمعوا أمرهم على تلبية دعوة الوالي، فلما خرجوا إلى ظهر القرية، من بينهم قوال(المداحون)، فقال لأميرهم:

 يا محمود أميري، أنت الذي ورطنا في هذه القضية، فإذا لم تصلح نطقك، وتحسن الكلام أمام الوالي فإنه سيزيلك ويعطي الحكم لحامد، وحامد رجل شجاع، يحسن النطق، ويجيد الخطاب، ومظهره جيد.  فقال محمود: المهم أن توافقوني الرأي على كل ما أفتريه على حامد ابن عمي، فأجابوا: إن أنت استطعت أن تفتري على حامد وهو ابن عمك، فكيف لا نصدقك نحن، فانطلقوا، إلى الوالي، فكل من سمع بأن حامد ومحمود هما اللذان يتحاكمان إلى الوالي يتابع الجماعة، ليشهد ما يقع بين أبناء الأعمام.

فلما وصلوا إلى الوالي، أجلسهما أمامه، فقال لهم إنكما من أسرة واحدة، فعليكما أن تذهبا وتنظرا في اتفاق على من يقدر الإمارة، فأيكما اخترتما فأن موافق معكما، فانبرى محمود في صيحة وزجر(لا نذهب إلى أي مكان، هذا الدخيل فينا الذي لا نعرف أباه ولا أمه، ثم أراد أن يحكمنا فرفضنا، لذا شكانا إليك أيها الوالي)، فتعجب حامد، فقال: أللحكم تنكرني وتدعي أنكم لا تعرف لي أما ولا أبا! ففزع أحمد إلى القيام لترك المكان، فطلب منه الولي بالجلوس، ثم وجه الجماعة فقال: أحلفكم بالله، هل ما قاله محمود صحيح؟ فأقروا ما قاله محمود. عند ذلك قام حامد، والدموع تغلب عليه وتنهمر، فقال: 

إني أسأل الله أن يريني مثل هذا التجمع الذي جلستم فيه تنكرونني، جلسة أخرى تندمون على ما فعلتم. فذهب إلى الوالدة، ونادها: يا أماه، إن أهل (جيبو) قد بين لي منهم ما لم أتوقع ومنذ أن خلقني الله لم أسمع به أبدا، ولكن فوضت أمري إلى الله وأسرد لها ما قع بينه وبينهم. قالت أصحيح، قال: نعم. وأضاف قائلا ولولا أني أخشى عقّ الوالدين لما قضيت لحظة في هذه القرية، فقالت الوالدة: يا حامد، وأجاب: نعم، قالت: منذ توفي والدك لم أرغب يوما أن أقضي لحظة في هذه القرية. فقال: صح!، وأجابت: قسما بالله. عند ذلك صاح حامد على (بيدو) فأمره أن يجمع الأبقار، ويحللوا الأكواخ، ليرتحلوا، فارتحلوا إلى فضاء بجانب حوض ليس فيه سكان، فانحلوا  هنالك.

ولكن صلة الرحمة أحدثت في نفس حامد شيئا من الشفقة، وجعلته يرغب في زيارة أهل (جيبو) فعزم في كل يوم الجمعة، يستحم، ثم يلبس أحسن اللباس، ثم يتوجه، فيقول: يا أماه إني ذاهب إلى (جيبو) فإن ديار الأدب لا تهجر، فتجيب الوالدة: حفظك الله. ثم ينادي أخته الزوجة (داود): فيقول يادادو، إني ذاهب إلى ديار الأب، فقالت: أخي الكبير حامد، لو جعل قلبي في صدرك، والله لن تمر بهنالك أبدا، فيجيب يا أختي العزيزة، دار الأب لا تهجر. ثم تنطلق، إلى (جيبو) فيسلم عليهم ولا يردون، ويسلم على ابن عمه وهو أيضا لا يرد، فيقضي النهار كاملا لا يكلمه أحد ولا يحدث إلى أحد، ثم إذا حان وقت الغداء يتسللون فرادى فرادى دون أن يدعوه إلى الأكل، بل بعضهم تؤنبهم زوجاتهم بأن حامد ابن ُأخيك، أو ابن خالك فلم لا تدعوه إلى الطعام، فتقوم المخاصمة بينهم بل بعضهم يطلقون الزوجات باتهام أنهن على علاقة مع حامد. 

  فيقضي حامد نهاره في هذه الحالة، ثم يرجع إلى الوالدة، فينادي: يا أماه، جئت من (جيبو) وهم سالمون ويسلمون عليك. فتجيب، من لا يرد التحية، فكيف له أن يسأل عن الإنسان. ومكث حامد في هذه الحالة قرابة سنة، وفي أحد الأيام كعادته في قضاء الجعة، في (جيبو) إذا برسل ملك موسي جاؤوا إلى قرية(جيبو) فسألوا عن الأمير، فأشروا لهم إليه، فقالوا نحن من جانب الملك موسي يخبركم أنه كانت هناك حرب بينكم قبل سنين، وقد آن الأوان، وسوف نحيطكم الجمعة المقبلة بأربع إحاطة، فلتستعدوا لذلك.

فغلب السرور على حامد، لأنه كان ينتظر مثل هذا اليوم، فأخذ حصانه، يركض، ليصل بهذا النبأ إلى الوالدة بسرعة، فنادى: يا أماه، ما كنت أنتظره، قد جاء، فسألت ما هو: أجاب قائلا ما كنا نسمعه من الحكايات أن حربا بيننا وبين قبائل موسي، وأنهم سيعودون، فإنهم قد حضروا اليوم وأنا في (جيبو) ووعدوا بالعودة يوم الجمعة المقبلة. فدعت له الوالدة، بدعاء كثيرة وبإلحاح، أن يريه الله الجمعة المقبلة، وألا يمد له أجلا تتجاوز الجمعة المقبلة....وحامد تقول أمين، فلما أنهت من الدعاء: قال حامد: يا أماه إن الله قد أجاب الدعاء. حدث هذا ووجد أن زوجة حامد ذهبت إلى النهر، وهي حبلى، فلما رجعت أدركت حامدا مسرورا مبشوشا، إلى درجة، أنها لا حظت ذلك عليه، فقالت يا حامد أخي الكبير ما ذا حدث، فأجاب، لم يحدث شيء، فقالت: إني قد تربيت في هذه الديار، وأعرفك منذ، ولم أرك مسرورا مثل اليوم، وكان حامدا إنسانا هادئا، وذو دماثة خلق.

وفي ليلة الجمعة، نادى حامد زوجته، فقال له: إني أسألك بالله أن تعفو عني، وأريد منك شيئا وهو: أن الجنين الذي في بطنك إن كان رجلا فورثيه، رمحي وسيفي وحجابي(السر الذي أحارب به)،...فأجابت المرأة أن هذا الجنين إن لم يولد في هذه الليلة سيولد في الآخرة. وكان هذا الحديث على مائدة الطعام. ثم انصرفا إلى المخدع. وفي الغد، بكر حامد، إلى (جيبو) فأدرك جيبو، قد أحيطت بأربع إحاطة من الموسي، وكان حامد يملك سرا لا يراه أحد في القتال، فشق حامد الجماعة، حتى دخل في القرية، ووجدهم في  هيئة ترثى لها، كما يقول القصاص، حيث لم يتحرك أحد منهم لا الأمير ولا الرجال، وقضاء الحاجة صعب الوصول به إلى موضعه، والنسوة تبكي، فقال: محمود أخي الصغير، ما ذا حدث، منذ أمس البلد في قبضة لا أحد يدخل ولا أحد يخرج، ثم لا تتحركون، فرد محمود قائلا:

أحمد أخي الكبير، أنا الذي أخبرت الناس أن يجتمعوا ننتظر أخي الكبير أحمد، فإن لم يحضر فسوف نصير عبيدا لموسي لأنا لا نعرف كيف نحاربهم، فقال حامد: كيف ببلد كامل يملك أما وأبا، تنتظرون من ليس له أب ولا  أم، فماذا قلتم من قبل، أليس قولكم  هو الذي أخذكم اليوم، فردوا معا: بالقول نعم لقد كان خطأ، فقال حامد: عليكم أن تشتموا أمهاتكم، فقالوا: هذا قد كان منذ أمس! ثم طالبهم بشتم والدة أميرهم، وكذا الأمير يشتم أمهاتكم حتى أسمع، فليس بين والدتها ووالدتي قرابة، بينا عمومة فقط، فتجهز الناس لشتم والدة الأمير، ثم قال لهم: توقفوا، من يملك الوالدين هو من يمكن أن يشتم له والدا، فوالدا محمود قد توفيا، ثم تركهم، وتوجه إلى الجماعة، فشرع في قتل القوم، وحمي القتال حتى ينظر الأخ إلى أخيه فيظنه هو حامد،  فقتل منهم عددا،  كاد ينهيهم.

 ثم نزل من على الفرس وعلق  الحجاب على السرج، فترك الفرس لتذهب إلى البيت، فلما وصل الفرس قالت الزوجة، يا أماه لقد مات حامد، فقالت: صحيح؟ فردت نعم، فقالت الزوجة الحامل يا(بيدو) ساعدني أن أركب الفرس فساعدها، فلما وصلت رأت زوجها بين القتلى، فغضبت وصاحت في القوم بالقتل، حتى كادت أن  تنهي ما تبقى منهم، نزلت  وعلقت الحجاب على السرج، ليعود إلى البيت للوالدة لأنه وصية منها، فلما وصل الفرس عند مدخل الحظيرة أمرت الوالدة (بيدو) أن يقرب إليه الفرس، 

فتوجه إلى (جيبو)، فأدركت القوم في اختبائهم لا ينفضون عن أنفسهم ذبابة، فنادت الأمير محمود، وقومه، فوبختهم جميعا، وشددت اللهجة لهم، ثم توجهت إلى القتال، فقاتلت قتالا شديدا حتى إنها تنزع القلوب وتمضغ منها غضبا عليهم، وقبل أن تفتح عينيها وجدت أربعة رجل بقي من الموسى، فنزلت من على الفرس وحاولت تعليق الحجاب على السرج فانتبه لها هؤلاء الأربعة وقتلوها، وأخذوا الحجاب وفرس حامد، فتوجوا إلى داخل القرية، أربعة رجال من موس هم من أسروا القرية بالكامل فلم يتركوا ولو دجاجة.
وبهذا انتهت القصة، بمشهد درامي، أدى إلى هلاك الأسرة بالكامل، ووقوع البلد في الأسرى، فلم ينج أحد منهم إلا العبد (بيدو) الذي لم نسمع عنه بعد مغادرة الوالدة إلى الحرب.

بقلم الدكتور عمران سعيد ميغا
جامعة الملك سعود

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

تعليقان (2)
إرسال تعليق
  1. ما شاء الله تبارك الله!

    ردحذف
  2. نريد مثل هذه العقول؛لننهض بأمتنا فكريا ثقافيا واجتماعيا، بدلا من الإنشغال بأدبيّات أمة أخرى؛ فأمتنا وشعبنا أولى من غيرها!

    ردحذف

إرسال تعليق