القائمة الرئيسية

الصفحات

(تابع) جذور علم الجمال في الرومانسية/ أ. فيصل كادا

رؤى فلسفية في علم الجمال

فيصل كادا faisal kada
    تطرقنا في المقالة السابقة(و هنا رابط المقالة) إلى تعريف علم الجمال وشيء من مبادئه ونواصل بكم اليوم بالتالي  بعد أن عرضنا لبعض من إسهامات أساطين الفلسفة اليونانية وهم سقراط وأفلاطون  وأرسطو في مجال الجماليات والفنون نعرض لرؤى بعض الفلاسفة في علم الجمال وقد ركّز الباحث على من عاشوا منهم في القرن التاسع عشر الذي ظهر فيه التيار الرومانسي ومن هؤلاء:
   أـ كانط Emmauel Kant(1724-1804):
        يعد كانط من أعظم رواد علم الجمال، بل ومن مؤسسيه الذي لا يمكن إغفال دورهمم العظيم والرائد فيه. وقد أشاد آلان في مقدمة مؤلفه الشهير" عشرون درسا في الفنون الجميلة" بالجهود التي بذلها في مجال الجماليات يقول فيه " لقد وجد في علم الجمال مؤلفان لا يمكن إغفالهما لأنهما مهدا الطريق لمن أتى بعدهما، وهو يقصد بهما كانط وهيجل. فقد وفق الأول في تحليل الجميل والرائع و وصل إلى التمييز بينهما"[1] 
   لقد عبّر كانط ([2]) عن نظرياته في الجمال في كتابه القيم" نقد الحكم"...وضع فيه الخطوط الرئيسة لنظريته في الجمال، الذي يرجع اهتمامه بها إلى عام 1764م حين كتب مقاله" ملاحظات حول الشعور بالجمال والجلال" ثم تبلورت أفكاره عن طبيعة التناسب بين أجزاء الجسم الضخم. لقد ظل كانط متأثرا بليبتز، وفولف زمنا طويلا وخاصة في موضوع ثنائية "العقل والإرادة" بيد أن قرائته لمندلسون* كانت قد أطلعته على وجود قوة أو ملكة بشرية ثالثة هي ملكة الوجدان التي تشعرنا باللذة أو الألم.اتجه كانط عن عناصر أولية سابقة على التجربة فانتقل من فكرة" نقد الذوق" إلى أخرى تتعلق " بنقد ملكة الحكم" وعلى هذا النحو تناول في بحثه لفلسفة الجمال مسألتين هامتين هما فكرتا الجمال والغائية. أو الحكم الجمالي ونقد الحكم الغائي".                                             
(منصة الخواطر والأفكار
لقد حدد كانط شروط الحكم بالجميل والجليل بأربعة شروط استمدها من قائمة المقولات المنطقية. فحدده من حيث: الكيف والكم والجهة والعلاقة، فمن جهة الكيف حدد الجميل بأنّه ما يسرّنا بغير أن يترتّب على سرورنا به منفعة أو فائدة أو لذّة حسيّة،... ومن جهة الكم يعرف الجميل بأنه ما يسرنا بطريقة كلية وبغير استخدام أي تصورات عقلية،...ومن حيث الجهة يتصف الجميل بأنه حكم ضروري أي عكسه مستحيل، ويرجع السبب في ذلك إلى أن له أصولا مشتركة لدى جميع أفراد الإنسانية،...ومن جهة العلاقة يتصف الجميل بأنه يوحي بالغائية بغير أن تعلق بغاية محددة. وبهذه الشروط أمكن لكانط أن يقدم تفسيرا للحكم الجمالي كان له فيما بعد  الآثار في الفلسفة الحديثة والمعاصرة.[3]
وهكذا يصبح الحكم الجمالي عند كانط متسما بالأولية والضرورة، فهو لا يقوم في الموضوعات ذاتها، بل يقوم في الناس، أو في الذات وهو وسيلة تحقق الانسجام، أو الاتساق بين قوى النفس وملكاتها فحسب ومن هنا جاءت أوليته وضرورته وكليته ومعنى هذا أنه حكم موضوعي يصدق عند كل شخص وفي كل زمان ومكان ويرى كانط أن الشيء الجميل هو الذي يظهر في أبعاد وحدود وفي صورة جزئية متانهية تقع في حود قدرة إدراكنا العقلي في حين أننا نصف الجليل أو الجلال بالشيء الذي يجاوز إدراكنا العقلي، أو حود قدراتنا الإدراكية ومن ثم فإذا كان للجميل وجود في الطبيعة فإن للجليل مكان في فكرنا وفهمنا الخاص[4].
        يتضح لنا من فلسفة كانط الجمالية أن مفهوم الجمال في مذهبه هو ما يتعلق بتحقيق ضرب من السعادة التي تأتي من التوافق والانسجام بين مخيلتنا وعقلنا، إن هذا التوافق هو ما يكفي لتعريف الجمال[5].                        (منصة الخواطر والأفكار
        والفضل الذي يعزى إلى كانط يتمثل في اكتشاف الذوق، أو الحكم الشعوري، وهو التطور الأخير للذوق، وقد عبر عنه في نقد الحكم الذي هو النقد الثالث بعد نقد العقل الخالص النظري والعقل الخالص العملي"[6].   
ويشهد تاريخ الفكر الفلسفي قبل كانط بوجود نوعين من الذوق هما: " الذوق الذاتي" وهو الذي يمثل مادة الشعور، ويتميز بالخصوصية والفردية. والذوق الكلي، والضروري. وهكذا فقد أرجعت فلسفة الجمال قبل كانط الذوق إلى اللذة تارة وإلى الحكم تارة أخرى[7].
        وليس هنا من شك في أن كانط قد عالج الأفكار الرئيسية للرومانسية منذ عام 1970، وهو ذلك العام الذي صدر فيه كتابه" نقد الحكم" وكانت الرومانسية آنذاك في مهدها. ورغم أن ذلك العصر لم يشهد عملا فنيا ذا قيمة عالية إلا أن الاهتمامات اتجهت إلى دراسة الجماليات لكن هذا الكتاب قد أشار إلى علم جمال الطبيعة وتلك سمة من سمات الرومانسية[8].       (منصة الخواطر والأفكار   
 ب-  هيجل (Friedrich)Hegel(1770-1831)
        يعد هيجل من أعظم من تناولوا مشكلة الجمال والفن في العصر الحديث بل لقد كان مذهبه في هذا الشأن بداية عهد جديد للانطلاق الروحي في الفن باعتباره فكرة، وهذا المذهب لم يسبقه فيه أحد قبله لقد جاء جديدا غاية الجدة، تشهد بذلك مؤلفاته ومحاضراته القيمة في " علم الجمال" التي صدرت في عام 1835م وكذلك في مؤلفه الرئيسي "ظواهر الروح" الذي كتبه عام 1807." [9]
لقد انطلق هيجل([10])من فلسفته الجدلية الدياليكتية في النظر إلى الجمال والفن، معتبرا ارتقاء الوعي عملية جدلية همت الإنسان منذ العصور الأولى، وقد حددت طبيعة العلاقة بين الإنسان والفن بحسب تطور الوعي لديه. وهكذا قسم مراحل الفن بهذا الاقتضاء إلى ثلاث مراحل رئيسة [11]:
1-    المرحلة الكلاسية: التي تعد ذروة الفن، حيث تجسد فيها المنطق في نسق حسي، وقد أحدثت ترابطا بين الشكل والمضمون. يعبر عنها فن النحت؛
2-   المرحلة الرومانسية: ارتبطت بالوعي الذاتي ومحدودية المنجز الفني، ولم تلتفت إلى تناسق الشكل. تعبر عنها فنون التصوير والموسيقا والشعر؛
3-    المرحلة الرمزية: يعد فن العمارة تعبيرا عن هذه المرحلة".      (منصة الخواطر والأفكار
ويرى هيجل أن هذه الألوان الثلاثة من المراحل تمثلها ثلاثة أنواع من الفن وثلاثة عصور للفنون هم: العصر الشرقي والإغريقي، والعصر الحديث فالفن الرمزي هو فن العصر الشرقي (القديم). أما الفن الكلاسيكي فهو الفن عند عند الإغريق. في حين أن الفن الرومانسي كان هو صورة الفن في العصر الحديث.[12]
         ويذهب إلى أن الفن الحقيقي هو الذي يحاول فيه الإنسان أن يتسامى فوق مستوى الواقع، فالتعبير عن الجمال يقتضي علوه عن الطبيعة والواقع. فالفن ليس تقليدا أو محاكاة للطبيعةـ على حد ما يذهب أفلاطون بل هو محاولة لكشف المضمون الباطني للحقيقة. ويتوقف نجاح عمل الفنان على مقدار كشفه عن الروح وتعبيره عن الحقيقة الجمالية، في الصور الحسية التي يشكلها.[13] " " الفن هو الروح التي تتأمل ذاتها في حرية تامة، وفي أصالة وإبداع. ولكن لا بد من أن تسبقها الفكرة. لأن الفن هو التأمل العقلي، والسعي إلى تحقيق الجمال بالذات"[14]." وقد أعطى هيجل مثالا للأعمال الفنية ذات الصبغة الرومانيسية بالعصارة ذات الطراز القوطي".[15]
        و هو كذلك يعتبر الفن وسيلة من وسائل تطهير النفس، وتنقيتها والتسامي بها. ويتفق هيجل مع كروتشه في أن جمال الفن يتحدد في كونه" حقيقة جمالية" لا يكون للفنان هدف من تشكيلها إلا تحقيق الجمال المطلق، والكشف عنه فيما يصوره من لوحات وأعمال فنية تتميز بالجمال الذاتي الذي يستثير إعجابنا ويرقى بذواتنا.[16]
        وهكذا كانت فلسفة هيجل الذي يعتبر رائدا من رواد علم الجمال كان معاصرا لشيلنج ومنافسا له، كانت اهتماماته بالجماليات لا تحتل مكان الصدارة كما في مذهب شيلنج".[17]
 جـ ـ شلنج Shellinge(1775-1854)(     منصة الخواطر والأفكار
        فيلسوف مثالي ألمانيّ، عمل أستاذا في جامعة يينا وبرلين، كانت له اهتمامات بفلسفة الطبيعة، تشهد بذلك سلسلة مؤلفاته عنها. كما أنه قد تأثر في نقه الفكري بآراء كانط... ومع أن فخته كان يعد من أوائل من تأثروا بكانط بيد أنه لم يكن له اهتماما كبيرا بالجماليات بقدر ما كان لشلنج الذي ألف مجموعة من الكتابات الفلسفية والفنية"[18] " نشر وهو في العشرين مقالاً عن أسس الفلسفة (5971) لفت أنظار فيشته وضمن لشيلنج دعوة لتدريس الفلسفة في ينا Jena، وكان وقتها في الثالثة والعشرين. وكان راضياً - لفترة - بوصف نفسه بأنه أحد أتباع فيشته. وأنه يقبل العقل كحقيقة وحيدة، لكن في يينا Jena، وبعد ذلك في برلين انضم للرومانسيين وأتاح لنفسه نشوة عابرة" *([19]) "
 ورغم أن شلنج كان واحدا من أتباع مدرسة كانط من المثاليين الألمان، بيد أنه قد ذهب يفند آراءهم لأنها لم تتوخ الروح العلمية، ومع ذلك فإنه كان يرى ضرورة العودة إلى الكتاب الرئيسي لكانط في فلسفة الجمال وهو كتاب "نقد الحكم". وكان الهدف الأساسي له من دراسته هو محاولة التوصل إلى نقطة الالتقاء بين الفلسفة النظرية، والعملية وكذلك محاولة إدراك الوحدة الأساسية بين عالمين متناقضين في داخل الروح، وهو يذهب إلى أن الجمال أو النشاط الإبداعي الذي هو في تصوره(آلة عامة للفلسفة أو مدخل لجوهرها) هوذلك النشاط الذي يضم الوعي إلى اللاوعي داخل الذات. ويقصد بالأول الذات أو الروح وبالثاني الطبيعة "[20].
وتجدر الإشارة إلى أن لا أحد من المنظرين الكبار، الذين برزوا في ألمانيا، كان مرتبطا بإبداعات الفن لذلك العصر كما كان (شيلنج)، فقد كان شاعرا، مع ان ما كتبه في الشعر لم يخلده في الثقافة الالمانية الكلاسيكية المثالية، ويعتبر (شيلنج) احيانا معلما لهيجل، الذي ترك أثرا باهرا في تاريخ الفكر الجمالي، كان يشذ أحيانا عنه، متفردا بتأسيس علم الجمال الرومانسي في المانيا، إذ لم يتقبل (شيلنج) التفسير الميكانيكي للحياة بوصفها تفاعلا ميكانيكا، بل نظر الى العالم على أنه صراع أبدي بين المادة والروح، أو المادة في مواجهة طبيعة الروح[21].
إنّ علم الجمال لم ينل من الأهمية في ظل نظام فلسفي كما ناله في فلسفة"شيلنج" فنسق شيلنج المستوحى من كانط تارة، ومن أفلوطين تارة أخرى جعل من الفلسفة شعرا. كانت الفكرة الرئيسة في مثاليته الموضوعية هي التطابق الأول بين الفكر وحصيلة التجربة والمثالية والواقع، والفطرة والذكاء، والحرية والضرورة.[22]

لقد ظلت مشكلة القضية الفكرية والتجربة مثار بحث منذ ديكارت وذهب شيلنج إلى وجو وحدة أصلية بينهما فالموضوع يتمثل فلسفيا في تحدي هذه الوحدة بالنظرة العقلية المتعمقة والفن وحده هو الذي يتمكن من تحقيق ذلك ولهذا فافن يحتل دائما مرتبة أعلى من العلوم التي تجيء في مرتبة دنيا في الحياة الروحية فهناك صلة وثيقة وعميقة بين الفن والطبيعة. فهما يمثلان النشاط المثمر المنتج، الطبيعة هي قصيدة مكتوبة بحروف بارزة، ومن يقرأها يعرف أوديا الفكر والفن وحده هوالقادر علىفك رموزها فالعمل الفني ينبع من عبقرية تلقائية كالطبيعة تماما، والفن يبعث الروح في الأشياء، أما الروح فهي التي تحرر الإنسان من الفردية الانفصالية وتجعله يشارك في الحياة، والروح  عندئذ ليست جميلة ولكنها الجمال بعينه... وكان لهذه الأفكار أكبر الأثر على شيلنج.[23]  (منصة الخواطر

              للعودة إلى المقالة السابقة اضغط  هنـا

سنعود بإذن الله ...... فللحديث بقية... 
إعداد/ أ. فيصل كادا
جامعة الملك سعود



[1] ـ  عباس. ص 132.   [2] ـ المرجع نفسه ص. 132.   [3] ـ   مطر. ص 17.   [4] ـ عباس. ص 135.   [5] ـ المرجع نفسه. ص 136.   [6] ـ المرجع نفسه. ص 133.   [7] ـ المرجع نفسه. ص 133.   [8] ـ المرجع نفسه. ص 136.
[9] ـ المرجع نفسه. ص 140.   [10]   [11] ـ  عـود الند امـجلة الثـقـافـية الشهرية. (http://www.oudnad.net/spip.php?article432) 05/04/2016م.   [12] ـ عباس .ص 142.   [13] ـ المرجع نفسه. ص 144.   [14] ـ المرجع نفسه . ص 149.
[15] ـ المرجع نفسه. ص 147.   [16] ـ المرجع نفسه ص 145.   [17] ـ المرجع نفسه ص 150.   [18] ـ المرجع نفسه. ص 138.   [19] ـ  المعرفة: (http://www.marefa.org/index.php) 5/4/2016م. 19:03. * أتاح لنفسه نشوة عابرة في الآتي: (لن أطيق هذا طويلاً، لابد أن أمارس الحياةَ بشكل أعمق، لا بد أن أترك حواسي حرّة - فهذه الحواس هي - تقريباً - أساسي الذي خرجت منه (اشتُقِقتُ منه) على وفق ما تقول به النظريات الكبرى التي تتناول ما وراء الخبرة البشرية transcendental theories ولكنني أيضاً سأعترف الآن كيف أن قلبي يثب والدماء الحارة تندفع في عروقي.. ليس لي دين إلا هذا، وهو أنني أحب الرُّكب الجميلة التكوين والصدور الناهدة والخصور النحيلة والورود التي تفوح عطراً، والإرضاء الكامل لرغباتي، وتلبية كل حب أطلبه، وإذا كان لا بد أن يكون لي دين (رغم أنني أستطيع أن أعيش بدونه بسعادة أكثر) فلا بد أن يكون هذا الدين هو الكاثوليكية في شكلها القديم حيث كان القسس والمصلون من غير رجال الدين يعيشون معاً.. ويمارسون يومياً في بيت الرب House of God المرحَ الصاخب ويعربدون.).   [20] ـ عباس. ص 139.   [21] ـ الاتحاد، جريدة يومية سياسة. (http://www.alitthad.com/News_Details.php?ID=35423) 5/4/2016م. 21:57.   [22] ـ عباس. ص 140.
[23] ـ المرجع نفسه.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات