القائمة الرئيسية

الصفحات

الغرض الاجتماعي في أدبيات إبراهيم ديكو/ بقلم دكتور عمران سعيد ميغا

           الغرض الاجتماعي في أدبيات إبراهيم ديكو(أديب سونغاي)

 إبراهيم ديكو

 الأديب الفذ الفقيد إبراهيم ديكو، ذلك الشاعر الذي من طبيعته استطاع أن يطرق جل الأغراض الأدبية التي نعرفها في الدرس العربي إن مدحا وإن فخرا، أو رثاء أو تناولا للشؤون الاجتماعية التي الغرض منها بناء الفرد المجتمعي وغرس الأخلاق النبيلة بغض النظر عن دعوة جماعة الفن للفن. ونحن في هذا المقام نريد الاطلاع على قضية من ضمن القضايا التي استعارها الأديب أهمية في عمله الإنتاجي.
  

      فنقول: إن مذهب الفن للفن:  ويعرف بالبرناسية مذهب أدبي فلسفي لا ديني قام على معارضة الرومانسية من حيث أنها مذهب الذاتية في الشعر، وعرض عواطف الفرد الخاصة على الناس شعراً واتخاذه وسيلة للتعبير عن الذات، بينما تقوم البرناسية على اعتبار الفن غاية في ذاته لا وسيلة للتعبير عن الذات، وهي تهدف إلى جعل الشعر فناً موضوعيًّا همه استخراج الجمال من مظاهر الطبيعة أو إضفائه على تلك المظاهر، وترفض البرناسية التقيد سلفاً بأي عقيدة أو فكر أو أخلاق سابقة. ولكن هذا المذهب تلاقى مهاجمة عندما لوحظ عليه بعد انحرافه الكبير عن الحياة الواعية العاقلة من قبل بعض النقاد، أمثال ت.س. اليوت[1] الذي اتهم أصحابها بالخطأ وقصر النظر، وقرر أنه لابد من الالتزام للأديب أو الشاعر. وأن غاية الشعر والنقد تُلزم كل شاعر وناقد أن تكون الكتابة ذات نفع اجتماعي ما للقارئ.



      ومن هنا لا نجد نتاج (ديكو) في جل أعماله إلا خدمة للمجتمع، والسعي إلى إعادة الوعي لدى المجتمع حول رموز تراثه  المقدسة، وتثبيت الهوية القومية، مما جعله في كثير من الأحايين يأخذ موضوع شعره من عادات المجتمع وتقاليده، والتي تغرس الشهامة والمروءة في الأجيال الناشئة. ويأتي موضوعه حول المروءة وطغيان حب المال على نفس أبناء الزمان، في المحل وتلبية الحاجة النفسية لدى المجتمع، فهذا موضوع حساس، وربما أثار ذلك في ذهنه ما لاحظه من فقدان هذه الخصلة النبيلة لدى الناشئين، الأمة التي عرفت بالكرامة، وحب الغير والتضحية في الدفاع عن الغير، وقد يجد البعض أني انتساب الكرامة إلى هذه الأمة مبالغ، ولكننا حسبما أدركناه، من العادات أنه لا يجد أحد منهم ضيفا وإلا ويتبادر إلى إكرامه بالقرى، والقرى من أفضل الطبائع التي افتخر بها العرب حتى حاتم الطائي، حين يفتخر،  يفتخر بهذه الخصلة:





إني لعف الفقر مشترك الغنى       وتارك شكلا لا يـــــــــــــوافقه شكلي

وشكلي شكل لا يقوم لمثله          من الناس إلا كل ذي نيقة مثلي

وأجعل مالي دون عرضي جنة      لنفسي وأستغني بما كان من فضل


* *

وإني لعبد الـضـيف مـادام ثـاويا     وما في إلا تلك من شيمة العـبـد



     من كل ما تقدم نجد أن أنشودة (ديكو) بموضوع (ألمنو ألمنو بجو نو كي فور: طغيان حب المال على أنفسهم هو الذي أضاعهم)  يفتتح بأسلوب الاستغراب، والاستفهام، منفزعا مما حدث للمجتمع من تغير جذري عن عاداتهم الطبيعية وتقاليديهم الإنسانية، فيقول:
  

أ ترون يا جماعة ما حدث لنا؟!

أ ترون يا جماعة ما وقع علينا؟!

ما هذه المصيبة التي أصابتنا؟!

لقد تغيرت مسيرة الدنيا، وطبائعنا

مهما تقلب الإنسان في الفضاء فإن مصيره إلى الأرض(طبعا هذا مثل)
  

أضاعهم حب المال والنهم وراءه

أين شرف الحر النبيل، ومكانته؟!

أين توجه حب صلة القرابة ورابطها الوثيق؟!

لقد تقلبت طبيعة الدنيا، فلم تعد يدركها الفهم



إذا قام العدل واستطاع الكرام من بسط المال

وقام الأمراء بالقضاء بالعدل دون ارتشاء بالمال

وقام الزوج الحسن بالعدل والرضى على زوجاته

وإذا قام الوالدان ورضيا بالإنجاب



فإن الدنيا مهما تقلبت في الفضاء ستنزل إلى الأرض وسترسخ عروقها في الأرض

ثم تنبت بالخيرات وتزهر ، لتثمر لنا فنجني خيراتها

لقد تغيرت طبيعة الدنيا، لقد تغيرت مسيرة الحياة

آها... إذا كنت تنظر إلى الأمام لتقوم بالأعمال الشنيعة



التفت إلى الوراء! الآلاف موجودون ممن أنت أفضل منهم بكثير.

فضلا أن تقوم بالتحايل، وتصنع الأكاذيب لتجمع الأموال

أتدري متى ما يأتي الله لوديعته!؟

لقد تغيرت طبيعة الدنيا، لقد تغيرت مسيرة الحياة

قبل أن يأتي اليوم الذي تتمنى فيه أن يعفوا عنك



لمَ لمْ تتفكر أيام كنت فوقُ، وتعمل الأعمال الشنيعة، وتتكبر وتتجبر

أو لم تكن تعلم في تلك الآونة أن الدنيا تغرُّك.

لقد تغيرت طبيعة الدنيا، لقد تغيرت مسيرة الحياة.
  


----------------------- وانتهت الأنشودة----------------




    وكما نرى أن الرجل زاوج بين الزهديات والقضايا الاجتماعية، وهو من غلبة الفكر الديني عليه يرى أن مصلحة الأمة تقوم على المبادئ الدينية التي رسمها الدين الإسلامي.
  

    وما نلاحظه أيضا أنه أخذ رموز المجتمع تلك العناصر التي بها تتم بناء المجتمع، وأشاد كلا منهم بمهمته في الحياة حتى يتمكن تحقيق صلاح المجتمع، مع الإشارة إلى الفساد الاجتماعي والأسباب الداعية إليه، وكذلك اقترح بعض العلاجات لهذا الداء الذي نزل بالمجتمع.


   مع الأسلوب الشيق المتبع لديه من ربط عدة شورط بجواب واحد، حيث إن ذهن المتلقي سينتظره وهو يسرد الشروط وأفعالها بغية الوقوف على الجواب المتلقة بهذه الشروط.

   تلك إضاءات لطيفة حول هذا العمل والباب مفتوح أمام من يريد التعمق أكثر في المجال.



ظاهرة التغريب


مالا نو انغاكوي من نورا ملاّ نو انغاكوي: أين تذهب يا هذا إلى تذهب.



أين تذهب يا هذا أين تذهب يا هذا

أين تذهب إلى أين تذهب وتترك أهلك

أتريد أن تكون مثل المرأة التي تركها وقبل أن تعود وجدت له ثلاثة أولاد



أين تذهب يا هذا إلى تذهب

على الرجل أن يسعى في طلب الرزق، ويسعى طلب مال الدنيا

فإذا وجد فليرجع إلى الدار، مع أن البعض يذهبون ولا يرجعون



مهما مكثت في الماء، ولو قضيت سنة في النهر فإن ثيابك على الشاطئ

ولو مكثت شهرا في الماء، ولو قضيت سنة في النهر فإن ثيابك في انتظارك

فلا يمكن أن تضيع، ولا يمكن أن تتغير، ولا يمكن أن تعار، فهي لك وحدك.





  بقم الدكتور/ عمران سعيد ميغا

----------------------------------------------
[1] توماس ستيرنز إليوت) ت. س. إليوت (بالإنكليزية: Thomas Stearns Eliot شاعر ومسرحي وناقد أدبي حائزٌ على جائزة نوبل في الأدب في1948. وُلد في 26 سبتمبر 1888 وتوفي 4 يناير 1965. كتب قصائد: أغنية حب جي. ألفرد بروفروك، الأرض اليباب، الرجال الجوف، أربعاء الرماد، والرباعيات الأربع. من مسرحياته: جريمة في الكاتدرائية وحفلة كوكتيل. كما أنه كاتب مقالة "التقليد والموهبة الفردية". وُلد إليوت في الولايات المتحدة الأمريكية وانتقل إلى المملكة المتحدة في 1914، ثم أصبح أحد الرعايا البريطانيين في 1927.



هل اعجبك الموضوع :

تعليقات