القائمة الرئيسية

الصفحات

(( الجناس من المحسنات المعنوية ))بقلم أ. رضوان أديوالي تيجاني

                " الجناس من المحسنات المعنوية "

 الجناس من المحسنات المعنوية
 لعل مما جنى الدرس البلاغي على التراث العربي سوء التقسيم الذي لا زال طلاب أقسام اللغة العربية وآدابها يتجرعونها ويعانون من جمودها وهم لا يشعرون، وربما يكمن أساس المشكلة في الجمود، وهو التركة المتوارثة عبر الأجيال، تلقّاها المحاضر على هذا الشكل وعلى المنوال نفسه خلعه وأشربه عقول طلابه.
خذ موضوع الجناس مثلا، فقد صنف الجناس بوصفها واحدا من أبرز موضوعات المحسنات اللفظية في علم البديع، وتوارث مؤلفو الكتب البلاغية هذا التصنيف، ولم تتجاوز تعريفاتهم سوى الاكتفاء بأن الجناس التام لا يعني سوى: " ما اتفق فيه اللفظان المتجانسان في أمور أربعة:نوع الحروف، وعددها، وهيئتها، وترتيبها مع اختلاف المعنى"، كما يعنى بالجناس غير التام : "ما اختلف اللفظان في أحد الأمور الأربعة المذكورة (النوع والعدد والهيئة والترتيب)"، وعلى الرغم من أن النماذج التي تساق للدلالة على الجناس من أروع ما جادت به قريحة العرب، فقد خانهم التحليل الحقيقي الذي يهدف الى الكشف عن موطن بلاغة الجناس.
فهل يعقل أن يقتصر هذا الفن البديعي فعلا على المذكور في بعض المؤلفات البلاغية؟ وهل يكتفى بمجرد المطابقة بين نوع الحروف وعددها وهيئتها وترتيبها بين كلمتين للدلالة أن فيهما بلاغة؟ إذا كان الجواب نعم! فما قيمة هذا نوع من البلاغة الساذجة؟ وإذا كان الجواب لا، فقد اتضح مقدار الجناية على التراث بشكل عام.
الحقيقة أن الدرس الجناسي يفوق هذا المستوى الذي ظهر فيه، أو أظهر فيه بتعبير أدق، فليست العملية  عملية ميكانيكية أو معادلات رياضية ذات القوالب الجاهزة، فالجناس كما يعبر عن كنهه عبد القاهر الجرجاني عقب تعليقه على البيت التالي:
ناظراه في ما جنى ناظراه....... أو دعاني أمت بما اودعاني
قال: " إن الشاعر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها، ويوهمك كأنه لم يزدك، وقد أحسن الزيادة ووفاها"، فبلاغة الجناس يرجع إلى المعنى وليس إلى اللفظ، وهو لعبة نفسية خداعية، يسعى فيه الشاعر إلى مخادعة المتلقي، فتتشابه عليه المعاني لأول وهلة بحيث يظن أنه يعيد اللفظ نفسه.
فجمال الجناس كما يعلق شوقي ضيف: " لا يرجع إلى جرس الحروف وظاهر الوضع اللغوي، وإنما يرجع إلى مسائل معنوية من شأنها أن ترضي العقل وبمقدار هذا الرضا يكون جمال الجناس".
فيتلخص مفاد الفكرة في إشكالية تصنيف موضوع (الجناس) تحت المحسنات البديعية اللفظية، وكان الأجدر أن يدرج تحت المحسنات المعنوية؛ نظرا إلى أن عناية الجناس بالمعنى أقرب من عنايته باللفظ، فبلاغة الجناس في المعنى وليس في اللفظ فقط، ولعل الأدلة الآتية تعضد هذه الوجهة وتقويها.
إذا رحنا نتصفح بعض الكتب البلاغية المنهجية، ولنأخذ كتاب (جواهر البلاغة) نموذجا، نجد أن الموضوعات التي أدرجت تحت المحسنات اللفظية تشمل: التصحيف، الازدواج، السجع، الترصيع، لزوم ما يلزم، ما لا يستحيل بالانعكاس وغيرها من المحسنات اللفظية الأخرى، يلاحظ أن تعريفات كل من هذه المحسنات اللفظية مقتصرة على الجانب اللفظي فقط؛ فالتصحيف مثلا: "التشابه في الخط بين كلمتين فأكثر بحيث لو غير نقط كلمة كانت عين الثانية، نحو التخلي ثم التحلي ثم التجلي"، والسجع: "توافق الفاصلتين في الحرف الأخير"، والموازنة: "تساوي الفاصلتين في الوزن دون التقفية". فليس في هذه التعريفات أدنى إشارة إلى المعنى، لا من حيث الاتفاق ولا من حيث الاختلاف، وتحليلها أقرب إلى تحليلات رياضية؛ واحد زائد واحد يساوي اثنين.
لكن التعريفات المقدمة بين يدي الجناس تناول الجانبين معاً، جانب اللفظ وجانب المعنى، فالتحليل الأنسب لهذا النوع البديعي يستلزم عدم الاكتفاء بالجانب اللفظي كما في التخلي والتحلي والتجلي في التصحيف، وهذا يعني أن الجناس لا ينتمي إلى هذه المجموعة البديعية، والاكتفاء بذلك في الجناس يؤدي إلى بتر أحد عضويه الذي عليه قَوامه، فهل من المقنع أن تقول إن بلاغة هذه الآية: "ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة" في تطابق حروف "ساعة" في النوع والعدد والهيئة وتكتفي بذلك؟ إذا كان الجواب نعم، فسيتفق الكاتب في صحة هذا التصنيف، وإن كان الجواب لا، وأنك ستستمر في بيان اختلاف معنى الكلمتين، وتشير إلى مكمن البلاغة في توظيفهما بعد إمعان التفكير وإطالة النظر فيهما، فهذا يعني افتقار التحليل إلى شيء آخر هذا الشيء به تمامه ومن دونه نقصانه، وهو المعنى، فإذا كان الأمر كذلك فهل يصح هذا التصنيف حقا؟؟ أم إنه بحاجة إلى مراجعة ووضعه في المكان المناسب.

بقلم الأستاذ/ رضوان أديوالي تيجاني 
ماجستير جامعة الملك سعود

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

5 تعليقات
إرسال تعليق
  1. ما شاء الله تبارك الله.. زدنا يا أستاذ زدنا

    ردحذف
  2. بارك الله فيك الأخ رضوان. وحتى إن هناك نظرا في مسألة تقسيم البديع إلى لفظي ومعنوي، لأن البديع في النهاية تشكيل للمعنى ودلالة عليه. وقلما يقل البديع من دلالة معنوية، ويكفيك أن يحفل به القرآن الكريم والحديث الشريف. وثمة بحث مستقل سيتم إخراجه قريبا بخصوص هذا الموضوع. إن شاء الله.

    ردحذف
  3. تعديل وتصحيح : وقلما يخلو البديع من دلالة معنوية...

    ردحذف
  4. سنسعد بالإطلاع على الدراسة إن شاء الله ولعل الله نفيد منها في توسيع مدارك فهمنا للدرس البلاغي.... طاب يومكم

    ردحذف

إرسال تعليق