القائمة الرئيسية

الصفحات

نظرية النَّحو الكُلِّي التشومسكية في اكتساب اللغة (ل1 & ل2) نظرية تشومسكي وفلسفته اللغوية

نظرية النَّحو الكُلِّي التشومسكية في اكتساب اللغة (ل1 & ل2):
(THE THEORY OF UNIVERSAL GRAMMAR IN L1 & L2 ACQUISITION)

نظرية النَّحو الكُلِّي التشومسكية  في اكتساب اللغة (ل1 & ل2)

 
 كانت النظرية السلوكية (Behaviorism)-قبل سبعينيات القرن الماضي- الإطار النظري المهيمن على ميدان اكتساب اللغة (الأم والثانية)، و كانت نظرتها للغة تتلخص في أنها (اللغة) عادات و سلوك تكتسب مثلما تكتسب أي عادة أو سلوك آخر.

 و تذهب  -بالأساس - إلى أن الإنسان يكتسب اللغة من خلال استجاباته للمثيرات البيئية اللغوية التي يتعرض لها. أو بعبارة أخرى...من خلال التقليد و المحاكاة لما يسمعها في البيئة المحيطة به من مدخلات لغوية. 

      فلكي يتمكن (الإنسان) -مثلا- من اكتساب بنية لغوية ما  -في تصور السلوكية- لا بد له من السماع و المحاكاة المتكررة لها (اللغة الأم)، أو التدرب عليها تدريبا ترويضيا ميكانيكيا آليا (اللغة الثانية)، وتترسخ (البنية) في الذهن بالتعزيز الإيجابي، و تندثر -كذلك- بالتعزيز السلبي.

     إن السلوكية بهذه النظرة  -إذن- تدحض كل فكرة (أفلاطونية كانت أم غيرها) تقر بوجود قوة خفية ذهنية دماغية أحيائية بيولوجية  تقوم بدور توجيه العملية الاكتسابية. و ترى أن الإنسان يولد صفحة بيضاء، ويشرع -كذلك- في مهمة اكتساب اللغة وهو خالي الوفاض (Blank slates).

     و قد ظلت هذه النظرة (السلوكية) سائدة في الساحات اللسانية إلى أن ظهرت نظرية النحو الكلي- التي تأسست على أفكاراللساني الأمريكي نعوم تشومسكي(NAOM CHOMSKY)-، وشنت هجوما عنيفا ضد هذه الفلسفة السلوكية.  (يمكنك تحميل كتاب: النحو الكلي PDF مجانا من هنا).


   لقد جادل تشومسكي -في فرضية أسماها بـ"فرضية فَقْر المثير/Poverty of the stimulus"- أن تكون الكفاية اللغوية لدى الإنسان حصيلة استجاباته للمثيرات الخارجية فحسب، أو مجرد انعكاس أو محاكاة لما يسمعها من المدخلات.    

    فالمثيرات -إذن- حسب الفرضية- فقيرة جدا و غير كافية لبناء كفاية لغوية عالية، بدليل أن الإنسان يتوصل إلى حيازة معرفة ضمنية للغة (كفاية ضمنية/تمثيل ذهني) تفوق بكثير ما يمكن أن يتوصل إليه عبر المثيرات أو المدخلات. 

     وهذا يعني أن الإنسان تكون لديه مقدرة لغوية أكثر مما يكتسبه من البيئة أو يتعلمه من الفصول أو يقرؤه من الكتب.  فهو -مثلًا- يعرف كثيرا من الممتنعات اللغوية رغم أنه لم يتعرض لها. 

     والسؤال الذي يطرح نفسه في الموقف، إذا كانت المثيرات وحدها (المدخلات) لا يمكن أن تكون - كما تدعي الفرضية- هي المسؤولة عن الكفاية اللغوية لدى الإنسان، فما السر الكامن وراءها إذن؟ أو بعبارة أخرى ما هي القوة الميتافيزيقية (الغيبية) التي يعوّل عليها الإنسان في بناء هذه الكفاية؟ أو مالذي يوجه عملية الاكتساب؟

يذهب تشومسكي إلى أن الإنسان يولد وهو مبرمج بمقرر لساني داخلي فطري بيولوجي(Lingual built in syllabi) أسماه بــ"النحو الكلي/النحو العالمي/Universal Grammar"- و هو -حسبه- المسؤول الأساسي عن اكتساب اللغة و توجيهه. 

فما هو النحو الكلي إذن؟ ومم يتكون؟ وما دوره في اكتساب اللغة الثانية؟


النحو الكلي/العالمي

هو مجموعة من القيود اللسانية الفطرية البيولوجية مكبسلة في دماغ الإنسان، يُزوَّد بها منذ الولادة. فهو -إن صح التعبير- القوة الميتافيزيقية أو الآلية العقلية التي يعوّل عليها الإنسان في إنشاء الكفاية النحوية من المدخلات اللغوية التي يتعرض لها في البيئة.


إن النحو الكلي -إذن- جهاز فطري يساهم في اكتساب اللغة، ويسهّل العملية الاكتسابية. 

ويتكون (النحو الكلي) من مبادئ(Principles) وضوابط (Parameters):
فالمبادئ (Principles): هي القيود اللسانية العامة اللامتغيرة، التي تحكم جميع اللغات البشرية الطبيعية. فهي نقطة التقاطع بين اللغات.
         أما الضوابط (Parameters):فهي القيود اللسانية الخاصة المتغيرة، التي تميز لغة عن أخرى. وبعبارة أخرى: هي السمات التركيبة المتنوعة التي تجعل لغة ما تبدو مختلفة عن غيرها. 

       فاللغات -إذن- تتقاطع في مبادئ النحو الكلي وتختلف في ضوابطه.
        و يمكن توضيح ذلك في الأمثلة التالية: 

        1- إن اللغات بصفة عامة تخضع لسمة بنيوية تركيبية موحدة تسمى "المركب" (و هي مبدأ في اللغات البشرية كلها)، لكن كل لغة تشتمل على أشكال متنوعة لهذا المبدأ تميزها عن غيرها (وهي الضوابط).

        فاللغة العربية و الإنجليزية و اليابانية -مثلا- تتركب من مبدأ (فعل، فاعل، مفعول به)، لكن الضابط الذي يقوم بتوجيه ترتيب هذا المركب في العربية يختلف عنه في الإنجليزية وكذلك في اليابانية.

    فالرتبة الأساسية لهذا المركب في اللغة الإنجليزية تتخذ الشكل التالي: (فاعل، فعل، مفعول/S+V+O).
        و الرتبة الأساسية في اللغة اليابانية تتخذ الشكل التالي: (فاعل،مفعول،فعل/S+O+V).

       أما العربية فتتخذ رتبتها الأساسية الشكل التالي: (فعل،فاعل،مفعول/V+S+O).

    والجدير بالذكر أن اللغة العربية تقبل التحول الرتبي (التناوب بين الرتب)، إذ يمكن أن يتقدم (الفاعل/المفعول على الفعل)، بعكس اللغتين السابقتين.

يصح في العربية -مثلا- (شكلًا ومضمونا) إنتاج التراكيب الآتية:  (أكل الولد الطعام/الولد أكل الطعام/الطعام أكله الولد)، لكن لا يصح في الإنجليزية (شكلا ومضمونا) إنتاج (Ate the food the boy/*The food ate the boy/*The food the boy ate) محل (The boy ate the food إذ التراكيب في الإنجليزية لا تبتدئ بـ(فعل/مفعول) بخلاف العربية.

   2- إن (الفاعل/SUBJECT) يعد مبدأ أساسيا في كل اللغات (فليست ثمة لغة بشرية إلا وفيها فاعل)، لكن بعض اللغات تجيز بإسقاط (الاختياري/الإجباري) للضمير الفاعل، في حين لا يجيزه البعض (= ضابط من ضوابط النحو الكلي).

     فاللغة العربية -مثلا- تعد لغة صفرية الفاعل (ذات فاعل صفري)، إذ تسمح بحذف (الضمير للفاعل) في مثل:  "يفهم بِسهولة" (بحذف "هو"). بينما اللغة الإنجليزية ليست ضمن اللغات ذات الفاعل الصفري(PRO-DROP LANGUAGES)، فلا تسمح  -تحت أي ظرف من الظروف- بإسقاط (الضمير للفاعل). لذا تُعد جملة *”understands easily” (بحذف "He”) لاحنة في اللغة الإنجليزية. والصحيح = "He understands easily ”.   و يمكن أن نرمز لهذا الضابط في اللغتين السابقتين بالمعادلة التالية:

-العربية = لغة (+ فاعل صفري/PRO-DROP LANGUAGE ).
       -الإنجليزية = لغة (- فاعل صفري/NON PRO-DROP LANGUAGE).

    3- إن (الصفة/ADJECTIVE) تعد -كذلك- مبدأ أساسيا في اللغات البشرية كلها، لكن اللغات تختلف في الضابط الذي يتحكم في ترتيب (الصفة و الموصوف).

ففي اللغة العربية -مثلا- ترد (الصفة) بعد (الموصوف)، بينما في اللغة الإنجليزية ترد (الصفة) قبل (الموصوف). و عليه تعد جملة “لديك أحمر قلم؟*” (بتقديم الصفة على الموصوف) لا حنة في العربية. و جملة "?Do you have pen red*" (بتقديم الموصوف على الصفة) -كذلك- لاحنة في اللغة الإنجليزية.

     و من المفيد أن نشير إلى أن المبادئ -حسب نظرية النحو الكلي- يولد الإنسان و هو مجهز بها، أما الضوابط فيحتاج (الإنسان) إلى التعرض لها في اللغة الهدف (التي يريد اكتسابها)، ويكفيه نموذج واحد لبناء تعميمات لامحدودية.

و يطرح سؤال نفسه في هذا المقام، إذا كان الإنسان -في تصور النظرية- مبرمج -منذ فترة الولادة- بآلية لسانية داخلية تساعده في اكتساب اللغة الأولى(الأم)، فما دور هذه الآلية في اكتساب اللغة الثانية؟ أ تظل هذه الآلية متاحة لديه في اكتساب اللغة الثانية؟ أم أنها تتوقف بعد اكتمال اللغة الأولى؟

تذهب النظرية (النحو الكلي  Universal Grammar) إلى أن الأليات اللسانية الفطرية تظل (في اكتساب ل2) تلعب الدور نفسه (الذي تلعبه في اكتساب ل1). 

وهذا يعني  أن متعلم اللغة الثانية يباشر المهمة الاكتسابية ممتلكا كل ما يمتلكه الطفل من آليات لسانية داخلية. و هي (الآليات) تساهم في توجيه الضوابط (من ضوابط ل1-ضوابط ل2). 

    و في الختام تجدر الإشارة إلى أن متعلم اللغة الثانية رغم أن آليات النحو الكلي تكون متاحة لديه؛ إلا أنه لا يمكن له التعامل مع اللغة الهدف بنفس الطريقة التي يتعامل معها الطفل لغته الأم؛ لأن موقفه من اللغة (الهدف) يختلف عن موقف الطفل من لغته (الأم).
وبالتالي إن مهمته تختلف عن مهمة الطفل. فهو (المتعلم) يقوم بمهمة توجيه ضوابط ل1 إلى ضوابط ل2. [i]


نظرية تشومسكي النحوية

إبراهيم عبدالله سليمان
قسم اللغويات التطبيقية- جامعة الملك سعود
IBRAHIM ABDULLAH SULAIMAN
APPLIED LINGUISTICS (DEPARTMENT)
KING SAUD UNIVERSITY




[i] - لمعرفة المزيد عن نظرية النحوالكلي يرجى الاطلاع على المراجع التالية:
1-     بيل فان باتن و إليساندرو ج. بيناتي، المصطلحات، المفاتيح في اكتساب اللغة الثانية، ترجمة: د. عقيل بن حامد الزماي الشمري و د. منصور مبارك ميغري، الرياض، جامعة الملك سعود.
2-     ميشيل روزاميند وفلورنس مايلز، نظريات تعلم اللغة الثانية، ترجمة: د. عيسى الشريوفي، الرياض، جامعة الملك سعود.
Bill VanPatten and Alessandro G. Benati, Key
Terms in Second Language Acquisition.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

6 تعليقات
إرسال تعليق
  1. مقالة رائعة موفقون إن شاء الله

    ردحذف
  2. مقالة جميلة ومختصر مفيد، وننتظر من الكاتب مقالة أخرى، وبخاصة ما طرحته اللسانيات التواصلية وبخاصة التداولية ونظرية التكيف اللغوي من رؤى جديدة حول اكتساب اللغة الأولى والثانية.

    ردحذف

إرسال تعليق