القائمة الرئيسية

الصفحات

نظرية الأجناس الأدبية عند العرب / بقلم أ. سيكو كوياتي


أ. سيكو كياتي
                          بسم الله الرحمن الرحيم 

نظرية الأجناس الأدبية عند العرب:

 قراءة في كتاب (نظرية الأجناس الأدبية في التراث النثري)
       لصاحبه: عبد العزيز شبيل([1]).
   لم يعرف النقد العربي القديم نظرية نقدية خاصة بالأجناس الأدبية يمكن من خلالها تحديد أجناس الأدب العربي، وخصائصه الفنية([2])، ولكنه قد تضمن إشارات عديدة ومقالات جلية في قضية الأجناس الأدبية، يقول الدكتور أحمد محمد ويس رأيا مفاده:" من العسير أن يجد المرء في تراث العرب النقدي نظرية واضحة المعالم في الأجناس الأدبية على الرغم من عراقة تلك الأجناس، لكن المرء إن عدم وجود النظرية الواضحة فلن يعدم وجود كثير من الإشارات والتقسيمات التي تحيل عليها" ([3]).
وقد اطمأنّ عبد العزيز شبيل إلى أن الأدب العربي لم يرس نظرية أجناسية أدبية، بسبب التعالق المتين بين اللغة العربية وفكرها، ويضيف: ولا يذهبن بنا الظن إلى أن خلو الأدب العربي من أجناس وأنواع ينقص من قيمته، فحتى وإن غابت عنه أجناسه وأنواعه فقد امتلك – مع ذلك نظرية فنون أدبية أو بتعبير أدق: (نظرية بلاغة جامعة)، تعتمد في تصنيفها على أجناس الكلام، وطبقاته، ومراتبها. بمعنى أنه جعل من النظرية البلاغية وإجراءاتها بديلا واقعيا عن فكرة الأجناس، مقايضا إنجازا ظاهرا للعيان، بإنجاز لساني يمكن إخضاعه لتقسيمات الأجناس الأدبية. وإذا كان شبيل يقرّ بغياب الأجناس والأنواع وحضور النظرية البلاغية الجامعة بديلا عن الأجناس فلماذا سمّى كتابه بهذا الاسم؟ ولعلّ بحثه هذا أراد به التحقّق من وعي التراث النثري بمسألة الأجناس ولم يرد إثباتها، ويؤكّد طرحه لأسئلة عديدة منها: ببحثه هل امتلكت العرب القدامى معرفة بنظرية الأجناس الأدبية النثرية؟ وإذا كانت الإجابة بنعم فما مكوّنات تلك النظرية عندهم وأقسامها؟، وإذا كانت الإجابة بلا فما العوائق التي حالت دون ظهورها عندهم؟.
-                   (تحدّث شبيل عن تصور العرب القدامى للفكر واللغة والأدب والأجناس الأدبية، ومثل لذلك بكل من الفارابي وابن رشد وابن حزم وغيرهم، ممن اطلعوا على المدونات اليونانية وخصوصا أرسطو الذي كان مهيمنا على الفكر الفلسفي العربي). والملاحظ أن تعليقات هؤلاء الفلاسفة وترجماتهم خالية تماما من فكرة الأجناس الأدبيّة التي قال بها أرسطو. ولعل السبب وراء عدم وعي هؤلاء الفلاسفة بفكرة الأجناس أثناء ترجمتهم لأعمال أرسطو وتعليقاتهم عليها هو المترجم السرياني، فكان أرسطو أوّل من حاول أن يضع معايير نظريّة للأجناس الأدبيّة حين قسّم في كتابه الشهير) فن الشعر (الأدب على ثلاثة أنواع: التراجيديا، والكوميديا، والملحمة موضحاً خصائص كلّ جنس([4] لكن المترجم السرياني حين ترجم الكتاب من السريانيّة لم يفهم بعض العبارات التي تولى ترجمتها إلى العربية؛ ولهذا فاتت على الناقد العربي القديم فرصة الاطلاع على هذا التقسيم، والإفادة منه مثلما أفاد من أشياء أخرى.
-                   يقول شبيل: ( امتازت فترة ما قبل ظهور الإسلام بغياب وعي أجناسي، وفي فترة ظهور الإسلام مثّل القرآن جنسا آخر يختلف عما اعتاده العرب من مخاطبات وأجناس، كما نجح القرآن في اختزال كل الفنون الأدبية التي عرفها عرب الجاهلية، بظهوره في صورة لا تشبه الشعر ولا النثر، ما جعله بديلا مناسبا من الأدب القديم على غرار استبدال تعدد الآلهة بالتوحيد، وكان القرآن الكريم الجنس الجامع بلا منازع، لكنه لم يقم تصورا واضحا للأجناس لأنه حُدّد بلاغيا لا يستطيع البشر إدراك إعجازه، ولما أقرّت العرب عجزها عن محاكاة القرآن مع إصرارهم على التخلي من أدبهم القديم ؛لأن بعضه يمسّ بالدين ركنوا إلى الجنس الوحيد هو الخطابة.   كان المانع إذا من التصوّر الأجناسي هو الإعجاز القرآني، وقد نظر الباحث في كتابات البلاغيين (الرماني والخطابي والباقلاني وعبد القاهر الجرجاني) فتبيّن له أن قضية الإعجاز القرآني هي التي شغلتهم عن النظر في الأجناس الأدبية، وكان الخطابي قريبا –إلى حد ما – من إدراك تلك الأجناس، حيث عدّ كلام القرآن متفاوت الطبقات، وأن إعجازه كامن في جمعه لهذه الطبقات معا، وجزم الخطابي على أن القرآن يمثّل جنسا فريدا "منظوما لا منثورا"، وكاد أن يؤدي بموقفه هذا إلى فحص أجناس الكلام وطبقاته داخل القرآن، وأجناس الأدب واختلاف أسلوب كل فن من تلك الفنون التي جمعها القرآن الكريم بطريقة أدبية فذّة. لكن فكرة الخطابي هذا لم تجد أيدي معينة، بسبب انشغال البلاغيين بأمور أخرى خصوصا عبد القاهر الجرجاني الذي انشغل بقضية النظم، كما خلط بعضهم بين المفاهيم إلى حد اعتبار التمثيل والاستعارة أجناسا). إن فكرة الإعجاز القرآني قد أسهمت في وجود بواكير التجنيس في النقد القديم. كما كان له أثره الواضح في دفع النقاد العرب للبحث عن أصول الأجناس الأدبيّة حين هداهم إلى الكشف عن العديد من الأنواع قصد تمييز القرآن عنها، وإبراز تفوقه البلاغي عليها.
و يرى د. صلاح فضل أنّ النقد العربي القديم قد غابت عنه فكرة التمييز بين الأجناس الأدبيّة بسبب اختلاط قضايا البلاغة القديمة، ومجافاتها لروح التصنيف العلمي السديد في عدم التمييز في المستوى بين أجناس القول المختلفة، وعدم الاهتمام بفروقها النوعيّة، فلا فرق عند البلاغي بين الشعر والنثر في طبيعة اللغة، ولا أشكالها الفنيّة، ومن ثم فإنّ التصورات البلاغيّة العربيّة لم تستطع تنمية نظريّة محدّدة للأجناس الأدبيّة، ولم تقم بدورها في محاولة إثراء بعض هذه الأجناس بالكشف عن أشكالها، وخواصها المتميّزة، وتحديد مقوماتها الجوهرية([5]).
-                   شبيل: (بعد وفاة الرسول –صلى الله عليه وسلم-بقي جنس الخطابة هو الأهم، بالإضافة إلى القَصص الديني والمواعظ والسير والمغازي وقصص العشق في الحجاز التي ظهرت لاحقا، ثم بدا بعد ذلك فن الترسل من رحم الخطابة وحلّ محل الخطابة وخاصة عند ابن المقفعوكتابه (كليلة ودمنة). وبعد ازدهار حركة التدوين ظهرت فنون جديدة ترتبط بفن الترسل كالتوقيعات وكان الجاحظ أبرز من أبدع في تلك الفترة).
يشير د. مصطفى البشير طه إلى أنّ سبب انصراف النقاد العرب عن الاهتمام بالأجناس النثريّة اهتمامهم بجنسي الخطابة، والرسالة بسبب قيمتهما الوظيفيّة، فالخطابة مرتبطة بالغرض الديني في حين الرسالة ارتبطت -لا سيّما الديوانيّة منها-بالغرض السياسي المتعلق بالدولة ([6]). بمعنى أنّ عناية العرب بالخطب، والرسائل لأسباب دينيّة وسياسيّة حالت دون أن يتبنوا خطاباً تجنيسيّاً على مستوى النثر، فكيف بالشعر؟
-                   شبيل: (وأمّا في كتابات الناقدين كالعسكري وقدامة بن جعفر، فقد ميّز العسكري بين أجناس الكلام المنظوم إذ يفرّعه إلى رسائل وخطب وأشعار ثم مزج بين الخطابة والترسل بوصفهما جنسين رسميّين في مقابل الشعر، وقسّم قدامة النثر إلى خطابة وترسل واحتجاج وحديث ثم خلط بين هذه الأقسام. ولم يستقرّ لديهم من الأمر شيء إلا أن البلاغة أو الكلام اسم جامع للشعر والنثر معا، وجنس يحتويهما، وهذا لا يضيف جديدا إلى قضية الأجناس. وجعل القاضي التنوخي الأدب بديلا من البلاغة وجنسا جامعا للشعر والنثر، كما عدّ الخبر مادة أساسية لهذا الأدب. أما بديع الزمان الهمذانيفقد أعاد صياغة الفنون القديمة شعرها ونثرها لتبدو معه (مقامة)، ولم تطمح هذه المقامة في أن تكون جنسا مختلفا عن الأجناس الأدبية الأخرى وإلا لفعلت ذلك، ولكنها طمحت إلى إرساء بلاغة جديدة. ولم يختلف أبو حيان التوحيدي عن غيره في جعل الكلام أو البلاغة ممثّلا لجنس يجمع الخطابة والشعر، مع هيمنة ثنائية النظم والنثر، وكان من أبرز المصطلحات عند التوحيدي والذي تردّد كثيرا في كتاباته هو مصطلح (الفنون).
ويؤكد الناقد فاضل ثامر أنّ نقدنا الموروث لم يشع استعمال مصطلحي الأجناس، والأنواع الأدبيّة بالدلالة التي نحن بصددها ([7]). ويرى د. محمّد غنيمي هلال أنّ قدامة بن جعفر له فضل الريادة في دراسة أجناس([8](  الأدب الشعريّة، وتبعه في ذلك نقاد كثيرون ،  وحين تتتبع ما وراء هذا الرأي تجد الناقد يريد بالأجناس الشعريّة: (القصيدة، وما تتناوله من أغراض، وهي مقصورة في نقدهم على الشعر الغنائي، أو الوجداني من مدح، وهجاء، ورثاء، وافتخار...) ، والحق أنّ الناقد هنا لم يتحدث عن الأجناس الأدبيّة، أو الشعريّة وإنما تحدث عن الأغراض الشعريّة، وبين الاثنين بون شاسع، وكبير، وفي صفحة أخرى من الكتاب أكّد أنّ النقد العربي لم يعن بأجناس الأدب الموضوعيّة في النثر، كما لم يعرفها الشعر([9]).
-                    (خرج شبيل بنتيجة مؤداها أن الأدب العربي لم يكن له نظرية أجناسية، بسبب التعالق المتين بين اللغة العربية وفكرها، والجنس الجامع الأعلى عند العرب يتمثل في (القول) أو (الكلام) بكل ما يشمله من مخاطبات. إن خصوصية الفكر والأدب العربي لا تخضع لرؤية الغرب في تقسيمها لعناصر الكون وفنون الأدب إلى أجناس وأنواع، ويوثر الفكر العربي التجانس والتشابه على التنوع والاختلاف).
ولنعلم أنّ طبيعة النقد عند أيّ أمّة هي ليست بالضرورة صورة تتماهى وصورة النقد عند أمّة أخرى، وقديما قال السيرافي بحسب ما نقل أبو حيّان التوحيدي: (إنّ لغة من اللغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها في أسمائها، وأفعالها، وحروفها، وتأليفها، وتقديمها، وتأخيرها، واستعاراتها، وتحقيقها، وتشديدها، وتخفيفها، وسعتها، وضيقها، ونظمها، ونثرها، وسجعها، ووزنها، وميلها، وغير ذلك ممّا يطول ذكره) ([10]).
لذا يعتقد د. عبد السلام المسدي أنّ مقولة الأجناس الأدبيّة دخيلة على قيم الحضارة العربية في مكوّناتها الإبداعية ([11]) وأنّ النقاد العرب المعاصرين يسقطون على الأدب العربي أنماطا من التصنيف غريبة على روح التراث الحضاري حين يتحدّثون عن الأجناس الأدبيّة ([12]) بمعنى أنّ ما يشاع عن وجود وعي نقدي قديم بفكرة الأجناس ما هو إلا إسقاط معاصر مستعار من النقد الغربي يظلّ مساحة وهميّة من خارطة النقد العربي القديم يستعيره النقاد المعاصرون.
     انطلاقا من مقولة المسدي السابق، يمكن أن أقول بأن الانبهار بالغرب ومعطياته جلي فيها بقدر كبير، صحيح أن للغرب فضلا وريادة في أشياء كما للعرب أيضا سبق إلى أشياء أخرى. لكن النقد العربي في وعيه بالأجناس الأدبية لم يستعر من الغرب شيئا، فقد سبق أن بينا أن الفلاسفة العرب الذين تولوا الشرح والتعليق على مؤلفات المعلم الأول أرسطو قد خلت شروحاتهم وتعليقاتهم من فكرة الأجناس الأدبية، فمن أين استعارت العرب الفكرة إذن؟  صحيح أنهم لم يطبقوها على النحو الذي نعرفه اليوم، لكن فكرة الأجناس أو الوعي بها كانت موجودة بالفعل، وقديما قسم بعضهم العبارة إلى موزون أي الشعر، ومنثور أي النثر وما يتفرع منه كالخطابة والرسالة، يقول ابن وهب الكاتب: "اعلم أن سائر العبارة في لسان العرب إما أن يكون منظوما أو منثورا والمنظوم هو الشعر والمنثور هو الكلام"([13])، ونقل الجاحظ عن سهل بن هارون قوله: "اللسان البليغ لا يكادان يجتمعان في واحد، وأعسر من ذلك أن تجتمع بلاغة الشعر وبلاغة القلم"([14]). ولا أنسى هنا ذكر ما أوفره القرآن للعرب القدامى من تحفيز على البحث عن أنواع الأدب الأخرى بغية التفريق بينها وبين القرآن لتتبين مكانة القرآن بينها.

                                          الأستاذ/ سيكو كوياتي
                                    مالي
                                         برحاب جامعة الملك سعود





([1]) ط1، سبتمبر 2001م، تونس: دار محمد علي الحامي.
([2])للاطلاع على مفهوم النظرية، انظر: صليبا، جميل. (1982). المعجم الفلسفي بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية. بيروت: دار الكتاب اللبناني –مكتبة المدرسة.  ج2. ص 477.
[3] - ويس، أحمد محمد (2002). ثنائية الشعر والنثر في الفكر النقدي. سورية: منشورات وزارة الثقافة. ص 173.
[4] - أرسطوطاليس: فن الشعر. تحقيق د. عبد الرحمن بدوي. بيروت: دار الثقافة. ص 3
[5] -  فضل، صلاح. (1992). بلاغة الخطاب وعلم النص. الكويت: سلسلة عالم المعرفة: المجلس
الوطني للثقافة والفنون والآداب. ص 103.
[6] - طه، مصطفى البشير. (2009). مفهوم النثر الفني وأجناسه في النقد العربي القديم. الأردن:
اليازوري للنشر والتوزيع. ص 89.
[7] - ثامر، فاضل. (1992) الصوتالآخر: الجوهر الحواري للخطاب الأدبي. بغداد: دار
الشؤون الثقافية العامة. ص 253.
[8] - لعله يريد بالأجناس: الأغراض الشعرية.
[9] - ينظر: هلال، محمدغنيمي. (1977). النقدالأدبي الحديث. القاهرة: دار نهضة مصر للطباعة والنشر. ص 169.
[10] - التوحيدي، أبو حيان. (1424) الإمتاع والمؤانسة. بيروت: المكتبة العصرية.  ص 94.
[11] - المسدي، عبد السلام. (1983). النقد والحداثة. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر. ص 108.
[12] - المرجع السابق: ص 109.
[13] - الكاتب، ابن وهب. (1967). البرهان في وجوه البيان. بغداد: جامعة بغداد. ص 160.
[14] - الجاحظ. (1960). البيان والتبيين.  مصر: مكتبة الخانجي. 1/243.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات