القائمة الرئيسية

الصفحات

فيروس كورونا أشد خطرا من الطاعون وقت الصحابة مع صلاة الجماعة في المسجد

 صلاة الجمعة فيروس كورونا

هل ترك الصحابة صلاة الجماعة في المساجد  زمن الطاعون؟



  
علق الأخ أحمد سعيد آل صالح حفظه الله ، على منشور سابق قائلاً
شيخنا أني أحبك في الله وجزاكم الله خيراً بس سؤال هل الصحابة اوقفوا الصلاة في المساجد في زمن الطاعون .

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد،،

أولاً : أحبك الله الذي أحببتنا فيه

ثانياً : حكم صلاة الجماعة على الراجح من أقوال أهل العلم أنها واجبة وهو قول الحنابلة ، والحكم ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان والاشخاص 
لكن الفتوى هي التي تختلف باختلاف الأزمان والأحوال والأشخاص وإن كان الحكم ثابتاً وهو وجوب صلاة الجماعة ، 

لكن ما ورد في السنة من أعذار ترك الجماعة   أخف من هذا العذر ( فيروس كورونا) الذي يغلب على الظن أنه يؤدي إلى الموت.

قال ابن حبان في  صحيحه: (ج٥ ص٤١٦ح٢٠٦٤) كتاب الصلاة »باب "فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها »

عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من سمع النداء فلم يجب ، فلا صلاة له إلا من عذر)

قال أبوحاتم رضي الله عنه
"في هذا الخبر دليل أن أمْرَ النبي صلى الله عليه وسلم بإتيان الجماعات أمر حتم لا ندب ؛ إذ لو كان القصد في قوله : فلا صلاة له إلا من عذر يريد به في الفضل ، لكان المعذور إذا صلى وحده ، كان له فضل الجماعة ، فلما استحال هذا ، وبطل ثبت أن الأمر بإتيان الجماعة أمر إيجاب لا ندب ، وأما العذر الذي يكون المتخلف عن إتيان الجماعات به معذورا ، فقد تتبعته في السنن كلها ، فوجدتها تدل على أن العذر عشرة أشياء".
 انتهى كلامه رحمه الله 

ثم ذكر :
*العذر الاول:  المرض 
*العذر الثاني :  حضور الطعام  وأنت جائع أو صائم ونفسك تشتاق إليه ، حتى لا تنشغل في صلاتك فكيف لا ينشغل من يخاف الموت في صلاته إن عطس رجل بجانبه؟
 * العذر الثالث : وهو النسيان  
*العذر الرابع : وهو السِمَنُ المفرط الذي يمنع المرء من حضور الجماعات ،  وذكر فيه حديث أنس قال رجل من الأنصار - وكان ضخما - للنبي صلى الله عليه وسلم : إني لا أستطيع الصلاة معك ، فلو أتيت منزلي فصليت فيه ، فأقتدي بك ، فصنع الرجل له طعاما ودعاه إلى بيته ، فبسط له طرف حصير لهم ، فصلى عليه ركعتين  . 

 العذر الخامس
 وهو وجود المرء حاجة الإنسان في نفسه  (قضاء الحاجة من بول أوبراز) 
*العذر السادس:  وهو خوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد
وحفظ النفس والخوف عليها مقدم على حفظ المال.
*العذر السابع : وهو وجود البرد الشديد المؤلم
*العذر الثامن: وهو وجود المطر المؤذي.
*العذر التاسع:  وهو وجود العلة التي يخاف المرء على نفسه العثر منها
* العذر العاشر وهو أكل الإنسان الثوم والبصل إلى أن يذهب ريحها

وقاس عليها الفقهاء حراسة الممتلكات ومُرَافِقَ المريض الذي لا يستغني المريض عنه ، ومن خاف على أولاده أو متاعه التلف أو الضياع او السرقة ، ومن وضع طعاما على النار وخاف فساده ، وغيرها من الأعذار التي  سأذكرها بأدلتها  في كتاب أعده الآن بعنوان الأعذار المبيحة لترك صلاة الجماعة بناء على  وصية شيخنا الزهيري 

وقد رَأيتُ ما رأت هيئة كبار العلماء ولم أعلن ذلك حين سئلت فقلت الله أعلم حتى يتقدمني في هذا القول عالم معتبر من أهل الاجتهاد في النوازل حتى يكون لي سلف في المسألة لأنني لا أفتي في النوازل ولا اتقدم بين أهل الاجتهاد من علمائنا 

وصلاة الجماعة مكمل من مكملات حفظ الدين وتركها للعذر ليس مضيعا للدين ، أما الحفاظ على الأنفس فأصل ضروري من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها لذا يقدم الحفاظ على الأصل على الحفاظ على المكمل الذي يُمنَع للضرورة ولا يضر الدين

ولما أراد عمر رضي الله عنه أن يزور الشَّام للمرَّة الثَّانية، خرج إِليها، ومعه المهاجرون، والأنصار حتّى نزل بِسَرْغٍ على حدود الحجاز والشَّام، فلقيه أمراء الأجناد، فأخبروه: أنَّ الأرض سقيمةٌ، وكان الطَّاعون بالشَّام، فشاور عمر رضي الله عنه واستقرَّ رأيه على الرُّجوع.

 وبعد انصراف عمر رضي الله عنه حصل الطَّاعون الجارف المعروف بطاعون عِمَواس وكانت شدَّته بالشَّام، فهلك به خلقٌ كثيرٌ، منهم: أبو عبيدة بن الجرّاح، وهو أمير النَّاس، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، ولم يرتفع عنهم الوباء إِلا بعد أن وليهم عمرو بن العاص، فخطب النَّاس، وقال لهم: أيُّها الناس! إِنَّ هذا الوجع إِذا وقع إِنما يشتعل اشتعال النَّار، فتجنَّبوا منه في الجبال، فخرج، وخرج النّاس، فتفرقوا حتّى رفعه الله عنهم، فبلغ عمر ما فعله عمرو، فما كرهه ".

انظر: البداية والنهاية لابن كثير وتاريخ الأمم والملوك لـ الطبري.

والحاكم في هذه الحال يستشير أهل الاختصاص من الأطباء والعلماء ولا يستشير الافراد 

وقد تريثت هيئة كبار العلماء في المملكة في إصدار قرارها ، فصدرت الفتوى الأولى بمنع المصابين فقط من حضور الجمعة والجماعة ، ثم لما اكتشفت الحكومة مقاطع لأناس يتعمدون نشر الفيروس في الشوارع بفيديوهات موثقة وتم إبلاغ الشلطات عنهم ، وزادت الحالات وأصبح الموت في الشوارع ، صدرت الفتوى الثانية بالمنع كما صدرت في هيئة الفتوى بالأزهر ، 

فالنوازل تُرَد إلى الأصول ، والمراد بالأصول: الأدلة الشرعية، وعلى رأسها الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وما يلحق بها من القياس، وما يتَّصل بذلك من مراعاة مقاصد الشريعة وقواعدها.
فلابد لمن يفتي ألا ينظر إلى الأدلة الجزئية ويهمل النظر إلى مقاصد الشريعة ، وكذلك لا يجوز له العكس وينبغي لمن يفتي أن يحرص على اجتماع الأمة وعدم تفرقها لأن الاجتماع أصل من أصول الشريعة 

 يقول الشافعي: "لا يقيس إلا من جمع آلات القياس، وهي: العلم بالأحكام من كتاب الله؛ فرضه وأدبه، وناسخه ومنسوخه، وعامه وخاصه، وإرشاده وندبه، ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسُنن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإجماع المسلمين، فإن لم يكن سنة ولا إجماع، فالقياس على كتاب الله، فإن لم يكن فالقياس على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لَم يكن فالقياس على قول عامة السلف الذين لا يعلم لهم مخالف، ولا يجوز القول في شيء من العلم إلا من هذه الأوجه أو من القياس عليها، ولا يكون لأحد أن يقيسَ حتى يكون عالمًا بما مضى قبله من السنن، 

وأقاويل السلف، وإجماع الناس، واختلافهم، ولسان العرب، وأن يكون صحيح العقل، حتى يفرق بين المشتبه ولا يعجل بالقول، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه؛ لأن له في ذلك تنْبيهًا على غفلة ربما كانتْ منه أو تنبيهًا على فضل ما اعتقده من الصواب، وعليه بلوغ عامة جهده، والإنصاف من نفسه، حتى يعرف من أين قال ما يقول، وترك ما يترك"
[الرسالةللشافعي ": 511].

فطاعة الحاكم وولي الامر في النوازل مستندا إلى فتوى كبار أهل العلم (الأمراء والعلماء) وهم أولياء الامور الذين أمرنا الله  بطاعتهم مما يحفظ لحمة جماعة المسلمين ولا يفرق صفهم 

وقد خرج أحمد بن حنبل رحمه الله إمام أهل السنة والجماعة  في عهد المعتصم من السجن وفكوا الأغلال من يده فقال :(لو تركونا بلا قيد ما خرجنا إلا بأمرهم).السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل. ص:442/2

و في عهد الخليفة العباسي الواثق: منعوه من التحديث و التعليم، ومن صعود المنبر، ومن حضور الجمعة والجماعات..فلزم بيته و إختفى فيها أعواما حتى مات الواثق.

و قيل لإبن سيرين رحمه الله عندما كان محبوسا في سجنه يا إمام لو تذهب لبيتك في الليل ثم تأتي لزنزانتك صباحا..
فقال رحمه الله : (والله لا أعينكم على مخالفة اوامر السلطان).

وجاء في تحفة المحتاج من كتب الشافعية ما يلي:
" الذي يظهر أن ما أمر به ـ أي الحاكم ـ مما ليس فيه مصلحة عامة لا يجب امتثاله إلا ظاهراً ـ يعني خشية الضرر أو الفتنة فقط ـ بخلاف ما فيه ذلك يجب باطناً أيضاً. اهـ.

فقول وفعل كل هؤلاء الأئمة الأعلام للمحافظة على أصل الجماعة 
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَمَاتَ, فَمِيتَتُه مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وفي شرح باب إغلاق البيت - من كتاب الحج من صحيح البخاري 
لشيخنا العلامة ابن عثيمين رحمه الله أفتى بأنه يجوز غلق المساجد للضرورة 

والذي يجب على  الأفراد في مثل هذه النوازل أن يتبعوا علماءهم حتى لا تصير فرقة ، قال تعالى((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)) النساء (83)

وكما رأيت أخي الحبيب أن كل ما ذكر ابن حبان رحمه الله  في السُنَّة من أعذار ترك الجماعة العشرة دون عذر الخوف من المرض المؤذي القاتل في المشقة والحرج 

وقياس الكورونا على الطاعون قياس مع الفارق 

لأن الطاعون كانت تظهر أعراضه سريعا على الشخص عكس الكورونا الذي قد يظل المصاب به كما قال أهل الاختصاص ٢٨ يوما حتى تظهر أعراضه 

ثالثاً : إن أمر التداوي مشروع بالكتاب والسنة والإجماع ،وهو يدور مع الأحكام الشرعية الخمسة ،  فقد يكون التداوي واجباً أو مستحباً أو حراما أو مكروها أو مباحاً يخير الإنسان في فعله أو تركه توكلا على الله ، كما في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ومنهم الذين لا يسترقون ، أي لايطلبون الرقية من المرض

واختلاف توكل الصحابة عن توكل أهل هذه الأزمنة معلوم عند كل ذي بصيرة ، فيجوز لمن كان في مثل إيمان الصحابة ترك التداوي مع أنه مشروع  لشدة توكلهم على الله ، والذي لا يخشى منه التسخط على أقدار الله له أن يترك التداوي توكلا على الله 

جاء في مرقاة المفاتيح: (فقال: " إن شئت صبرت ولك الجنة): فيه إيماء إلى جواز ترك الدواء بالصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، بل ظاهره أن إدامة الصبر مع المرض أفضل من العافية، لكن بالنسبة إلى بعض الأفراد ممن لا يعطله المرض عما هو بصدده عن نفع المسلمين، وأن ترك التداوي أفضل، وإن كان يسن التداوي؛ لخبر أبي داود وغيره «قالوا: أنتداوى؟ فقال: " تداووا ; فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير الهرم» " وأنه لا ينافي التوكل إذ فيه مباشرة الأسباب مع شهود خالقها; ولأنه - صلى الله عليه وسلم - فعله، وهو سيد المتوكلين، ومع ذلك ترك التداوي توكلا كما فعله أبو بكر - رضي الله عنه - فضيلة. اهـ.

*رابعاً : قد أمرنا الله تبارك وتعالى بسؤال اهل الاختصاص في قوله: (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون))  وقد أفتى أهل الاختصاص نتيجة التقدم العلمي في الطب ووسائله بأن الوقاية من هذا الداء وخطره ليس له من دواء إلا بالبعد عن التزاحم والتجمع في مكان واحد ، فينبغي والحال كذلك أن نستمع لنصيحة أهل الذكر في التداوي المشروع في الأصل ، والصحابة لم يكن لديهم من الوسائل ما يعلمون به كيفية انتقال المرض ، وغاية ما كان عندهم من النصوص في هذه النازلة  هو أنه إذا وقع في بلد فلا يخرجون منه ولا يدخلون إليه ،

والقياس الصحيح هنا  يقتضي أن يقاس على القواعد الشرعية سواء القواعد الأصولية مثل ( لا ضرر ولا ضرار) فلا يجوز لك ان تضر نفسك ولا ان تضر غيرك 

أو القواعد الفقهية مثل  (المشقة تجلب التيسير ) ومثل ( لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة ) 
كسقوط الجمعة عن المسافر ، وإذا كانت صلاة الجماعة والجمعة أسقطها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر المؤذن ان يقول بدلا من : "حي على الصلاة" "صلوا في رحالكم"
لمشقة الخوض في الطين والمطر  فلئن يقول صلوا في رحالكم في حال الخوف من العدوى التي يغلب على الظن أنها  تؤدي إلى الهلاك العام من باب أولى 

قال عمر رضي الله عنه لما أتى الشام وبلغه أن بالشام وباء الطاعون ، فانصرف بالناس ورجع بهم وقال : نفر من قدر الله إلى قدر الله . ثم أبلغه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (فإذا سمعتم به في بلد فلا تقدموا عليه) فَسُرَّ بذلك لأنه السنة .

وقال تعالى ( ولاتقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) 

وقال صلى الله عليه وسلم ( قتلوه قتلهم الله)  حيث افتوا  الجريح الذي أصابته الجنابة في ليلة شديدة البرد بالغسل ، ولم يُقَدِّروا مدى الضرر الحاصل حال غسله بالماء.

فهذه الأدلة التي سقناها في هذا المنشور وسابقه أظنها والله أعلم كافية في الجواب على سؤالك 

وانظر لما يؤيد ما ذهب إليه علماؤنا من كلام الفقهاء في أول تعليق مشاركة من أخينا من الأردن الشيخ هيثم القويسم جزاه الله خيراً 

والله أعلم وصلى الله وسلم على نبي الرحمة محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أبوعاصم السمان


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات